AMUDE.DE - NAVENDA ANDA KURD
www.musesana.de www.amude.de www.kurdishculture.de
fffffff
amude.de
 
 
شعر
قصة
ترجمة
نصوص
فن
موسيقا
نقد
دفتر الزوار
ﻒﻴﺷﺭﺃ
Links
كردي
ألماني
ﺭﻴﺭﺤﺘﻠﺍ ﺔﺌﻴﻫ
ويب ما ستر
 

:ﺪﻴﺪﺠﺘ
٢١ / ٤ / ٢٠٠١


Nivs 6

 
NIVÎS - Kovara mehane bi zimanê kurdî û erebî
العدد ٦                     ٢١ / ٤ / ٢٠٠١ - ٢١ / ٥ / ٢٠٠١



المكان في رواية سوبارتو
ﻒﺴﻮﻳ ﻢﻳﻠﺤﻠﺍ ﺪﺒﻋ ﻠ

ﻦﺴﺤ ﺪﻮﻌﺴﻤ

1

مدخل: لا بد لنا من أن نبدأ بمقاربة المكان، فالمكان عادة يكون قابلا للإدراك، محسوساً. وهو بطبيعته ثابت ويتنوع ما بين العلو والانخفاض، الاتساع والضيق، .. كالجبل، الوادي، الطريق.. وكذلك تنوع الأحجام ومختلف العوامل الداخلة في تكوينه. والمكان في الرواية مستمد من المكان الطبيعي ووظفت الشخصيات بمجملها في هذا الإطار. ففي سوبارتو يتحرك الشخوص في مكان مؤطر وإن ابتعد أحد الشخوص عن هذا المكان فإنه يُهمل إلى حد بعيد، فربما لأنه يبتعد عن الحرائق وبالتالي يبتعد عن الرواية، باستثناء طلاب الجامعة الواقعة خارج سوبارتو فإنهم يبنون سوبارتو أخرى هناك. رغم أن هذا المكان المبني يتصف بالأمان والهدوء إلا أن مؤثرات حرائق سوبارتو الأصلية تمتد إلى عمق هذا المكان فتحرق الشخصيات من الداخل، فتكون أمام حرائق هائلة في الروح. ويظل السؤال قابلا للبروز: هل المكان الروائي هو المكان الطبيعي نفسه وإن وردت أسماء صريحة على امتداد النص الروائي؟ نعثر في الرواية على أسماء شرمولا عاموده القامشلي دهوك ديار بكر روسيا "الاتحاد السوفيتي سابقا" ألمانيا أوروبا.. بالطبع لا. رغم أن الروائي يحاول إيهام قارئه بواقعية روايته مما يُدخل المكان في الرواية في تداخل مع المكان الطبيعي إلى أقصى حد. ولكن الحقيقة هي انهما لا يتقاربان إلا شكلا. فسوبارتو التاريخية محصورة بين جبال زاغروس ونهر الخابور ويمثل أهل سوبارتو اقدم السكان في المنطقة (2470-2430 ق.م) في حين أن القامشلي كمدينة بنيت في العشرينيات من القرن العشرين. ولو كان المكان في الرواية هو نفسه المكان الطبيعي لما استطاع الكاتب إدخال مدن جديدة إلى اقدم منطقة في العالم وقد زالت ولا اثر لها إلا من خلال المصادر والوثائق التاريخية. المكان الروائي هو مكان لفظي يبنيه الكاتب من خلال اللغة ولم يُصنع هذا المكان إلا لملء فراغ يشغل الرواية. المكان يبدو محسوسا، وخاصة لدى وصف الجمادات، حيث أن المكان الذي يبنيه الكاتب كثيرا ما يتطابق مع نفسية شخوصه "مظاهر المحسوسات من أصوات وروائح وألوان وظلال وملموسات" ¹ . بالتأكيد أن الرواية ستفقد أهم عنصر في بنيتها إذا ما

2

الغي المكان. ويمكننا الجزم أن إلغاء المكان يخلخل البنية الروائية ويلغي الرابط الأهم بين الشخصيات والأحداث. في سوبارتو المكان هو بطل الرواية دون منازع وإن استطاعت العجوز فلك السيطرة على الشخوص، فإن سيطرتها لم تأت إلا من خلال الحرائق التي كانت تثيرها في المكان. فالمكان هو الذي أعطاها فرصة السيطرة والقبض على المفاصل الرئيسية في حياة أهالي سوبارتو وفي بنية النص الروائي معا. ولأن العمل الأدبي هو الذي يدخل الحركة إلى الجامد المكاني في حين أن المكان في الرواية هو أحد مظاهر المحسوسات التي لا علاقة لها بجمادات المكان في الوسط الخارجي (وهذا ما جعل النقاد البنيويون يطلقون تسميات أخرى عليه كالمكان الموضوعي والواقعي والخارجي وما إلى ذلك من تسميات تثير حقيقة كونه خارج النص الروائي)² الرواية تستفيد من المكان الحقيقي وتوظفه في خدمة البناء الروائي. فمدينة عامودة هي مدينة خيالية من وحي الكاتب والتسمية إيهام القارئ بواقعية الأحداث التي يستعرضها وقد بنيت هذه المدينة تبعا لوظيفتها في الرواية. حيث أن عامودة الحقيقية تحتوي بالإضافة إلى الشخوص والحوادث الواردة في الرواية أشياء أخرى كثيرة متناقضة ومتداخلة وبذلك فإن الأمكنة تبدو غير محددة جغرافيا وغير مرسومة هندسيا إلا على مستوى الدلالة والرمز.

ويعتبر المكان عاملا مساعدا في معرفة الشخصية الروائية بشكل اعمق، كما أن التأثير المتبادل بين المكان والشخصية يساهم في إيصال الدلالة المبتغاة إلى القارئ. فبيت سليمان هو الذي ادخله في مرحلة جديدة واجهته بقسوة وبفعل تأثير عائلة بلقيس عليه. ويتشكل الفضاء الروائي أساسا من الحالات الشعورية التي تعيشها الشخصيات وقد تسهم في التحولات الداخلية التي تطرأ عليها³. وهذا ما بدا جليا في تأثير البيت الجديد الذي بناه داوود والد سليمان وتأثيره على شخصية سليمان وتحولاتها المزمنة.

بناء المكان في رواية سوبارتو:

أسماء الأماكن في رواية سوبارتو أسماء حقيقية باستثناء الاسم الحامل لعنوان الرواية (سوبارتو) الذي يبرز كأهم اسم مكان وارد

3

في الرواية برمتها. ويدور الحدث الروائي في البيئة الكردية التي استمد منها الكاتب أسماء الأمكنة. وإن وردت أسماء أجنبية، فذلك يعود إلى العلاقة المباشرة التي تربط أهالي سوبارتو بتلك الأمكنة الأجنبية. إذ لهم علاقة بألمانيا لأنهم يهاجرون إليها هربا من الفقر والاضطهاد وبحثا عن حلم ضائع. ولهم علاقة بـِ الاتحاد السوفيتي -سابقا- لأن أعضاء الحزب الماركسي الذين يعيشون في سوبارتو يتوجهون إليه، وهذا الحزب تابع أعمى لـِ هناك وتعتبر الدولة التي هناك شيخا كبيرا للحزب وسندا له ومنتجعا للعائلات الحزبية. كما الحزب يوفر منح دراسية لأبناء العائلات الحزبية. ولا توجد جامعة في سوبارتو فيسافر الطلاب إلى خارجها بحثا عن مستقبل مفقود. حتى إننا نلاحظ أن اسم سوبارتو لا وجود له في الفترة الزمنية التي تتطرق الرواية إليها، مما يحيلنا إلى أهمية التخييل ودوره الحيوي في الرواية من ناحية، ويحيلنا إلى التاريخ الكردي القديم من ناحية أخرى. يبتعد الكاتب عن الواقعية الفوتوغرافية الحرفية، المبتذلة لصالح التداخل مع التخييل والأسطرة والعوالم الفانتازية التي تتشكل كخيوط خفية في سياقات بناء المكان. وهذا واضح في التمحور حول أسطورة النبي سليمان مع الملكة بلقيس في بلاد تتداخل معالمها مع كردستان الوطن الأم. بالإضافة إلى الاستفادة القصوى من رموز كالهدهد وملك الجن والعواصف الغبارية والخاتم السحري والطفل الضوئي ومحاكاة الطيور والحيوانات والهواء وتحول البشر إلى غبار وتلاشيهم. علاقة الكاتب مع الواقع الحياتي علاقة إشكالية تتصف بالاستفادة من خياله الإبداعي إلى جانب الاستفادة من معطيات الحياة الواقعية، بإضافة لمسات خيالية إلى الواقع ليرتفع إلى مستوى الفن وحذف الكثير من المعطيات الواقعية التي لا تخدم الرواية ولا تتوظف في خدمة بنائها الفني. فيذهب بالقبح إلى حدود تحقيق أغراض خيالية.

التخييل لا يبعد القارئ عن مصداقية الرواية، بل على العكس، فإنه يشده إلى المتابعة، وفي الوقت نفسه فإن ورود أسماء حقيقية يساهم في شد دلالات الرواية الواقعية والتخيلية إلى بعضها وفق إيحاءات تشير إلى أن المكان هو الذي يتبع الدلالة.

4

وليس لأحدهما حكم على الآخر. من هنا استطاع الكاتب التعبير عن المكان وفق رؤية خاصة، وربط الحوادث بمنظور الشخصيات. أما الفضاء الروائي فمبني بطريقة تكاد أن تجعل من الرواية رواية مكانية بامتياز. وذلك من خلال الارتقاء بالمكان الواقعي إلى مستوى المكان بالمعنى الفني للكلمة. نهر الخنزير يشق سوبارتو إلى نصفين. أحدهما لحيندرو والآخر لإسماعيلو. وهما مجنونان. كما أن نبأ جنون سليمان يذكر أهالي سوبارتو بحريق سينما عاموده القديم. فتم إرجاع سوبارتو التاريخية، الملغية والمزالة تماما إلى الحاضر. كما أن الحريق ساهم في إرجاع ذاكرة مدينة عامودة إلى القديم.

صورة المكان:

رغم أن الكاتب لجأ في مقدمة روايته إلى تعريف سوبارتو وتحديدها جغرافيا إلا أن الرواية تلغي تلك الحدود الجغرافية لصالح الخلق الفني. الصورة المرسومة للمكان في الرواية هي أماكن الأحداث التي تتحرك ضمنها شخصيات الرواية. وصورة المكان هي صورة ذهنية مبتدعة من خيال الكاتب. وهذا المكان المرسوم في الرواية لا يتطابق مع المكان الأصلي. لأن المكان مرسوم من خلال علاقات الشخوص بهذا المكان. والسؤال هو هل نجح الكاتب في رسم هذه الصورة للمكان؟ وهل وصل إلى تحقيق أهدافه؟ وهل سوبارتو هي العالم. أم هي كردستان. أم هي عامودة بلدة الكاتب وبؤرة الأحداث الرئيسية أم هي سوبارتو فحسب؟ في الرواية المكان وثيق العلاقة مع منظور الراوي وثمة مزج بين مشاعر الشخصية الروائية والصورة المرسومة للمكان. فتتخطى الصورة هذه حدود المنطقة الواقعة بين زاغروس والخابور لتصل إلى العراق وإيران وألمانيا وروسيا ولم تشمل المنطقة كل منطقة سوبارتو المحددة في المقدمة. ولم تكتمل الصورة الذهنية إلا في الصفحات الأخيرة حيث بقي كوخ العجوز فلك غامضا باستثناء الحفرة التي تقع أمام هذا الكوخ. ومن ثم نكتشف، فيما بعد، أن البلاد كلها تقع في هذا الحيز الضيق والعجيب الذي كان من المفروض أن يكون كوخا. ويرتبط تطور المكان بتطور وعي الشخصية. فبعد أن يصل سليمان إلى الحقائق يصل أيضا إلى زوايا سوبارتو المهملة كمكان شديد الارتباط بشخصية العجوز. فكما كانت الشخصية غامضة فإن

5

المكان أيضا كان غامضا: في تلك الأثناء كان الكوخ قد اتسع ليشمل البلاد كلها، فالقوانين السائدة داخل الكوخ القديم اخذ بالاتساع وسادت في كافة أرجاء البلاد، تحول الكوخ القديم إلى مدخل للبلاد وكتب على بابه بالخط العريض (سوبارتو) وقبل الوصول إلى الكوخ علق على الطريق (سوبارتو ترحب بكم) امتدت أيادي العجوز فلك إلى كل مكان ص 186. لعل هذا المقبوس يؤكد كلامنا السابق بأن المكان صورة ذهنية، ولهذا يتحول الكوخ إلى بلاد بأكملها. كما هو معروف فإن المكان ثابت ولا يتحول وقد أوصت الحراس على عدم إيذائه طالما يتجول في داخل الكوخ وعلى عدم التعرض له طالما ظل مغلق الفم صامتا ص 185-186. فالمكان له سره الذي يجب ألا يباح به. لعل ما جعل سليمان يحترق في النهاية أن مزاجيته لم تكن سوداوية كما في ص 41 (أرضنا هذه على حافة الهاوية) بل كانت الحقيقة أن الأرض تحترق في كل مكان وستسلم طالما انك لا تتكلم.

استقبلنا حياتنا الجديدة في الجامعة بمشاعر متناقضة، كانت هناك رائحة سوبارتو معلقة في ثيابنا ونحن نلف الشوارع بالباصات والسرافيس. ولعل أول ما يلف نظر القادم من منطقة نائية كسوبارتو هو أن الناس قلما يمشون على أقدامهم. الجميع يسيرون على الدواليب.. تعبت من المقارنات التي لم تكن تحسم لصالح سوبارتو على الإطلاق، المدن بأبنيتها، سياراتها، حيوية ناسها، وقتها الراكض، نظافة شوارعها وسوبارتو ببيوتها الطينية، غبار شوارعها، حميرها، كآبة ناسها، وباصفرار وجوههم، أسمالهم المغبرة، بوقتها الميت زاحفا ببطء، بصباياها الشاحبات المصابات بفقر الدم ص 74.

إن هذه المقارنة بين سوبارتو وبين المدينة التي توجد فيها الجامعة تلقي الضوء على عوالم سوبارتو النائية وعلى الوضع الاقتصادي المتردي، والوضع النفسي الرديء والوضع المعاشي البالغ السوء. ومن الواضح أن الكاتب يرغب في ربط المكان الطبيعي الخارجي بسوبارتو المكان الداخلي ويظل الغموض يلف سوبارتو كالضباب مع أن الدلائل كلها تشير إلى الحالة الاستثنائية المزرية التي تتخبط في أوحالها هذه البلاد الفقيرة المباحة لقرصنة الجميع.

6

كما نلاحظ أن صورة المكان نتاج لما يختلج في داخل الشخصية، لنتابع هذا المقطع السردي الطويل المتخم بالوصف ألعن في سري البرجوازية والبطاطا والإمبريالية بجوار البيت القديم الذي سيفرغ للبقرة ولحيوانات الظلام الصغيرة ص 33-34.

نشاهد في هذا المقبوس أن الراوي يبدأ بالبرجوازية والبطاطا والإمبريالية وأكياس الأسمنت، فالبرجوازية لها علاقة بالإمبريالية، حسب اعتقاد الشخوص. فأكياس الأسمنت جاءت لتكون دلالة للبرجوازية والبطاطا هنا تحيلنا إلى اسم صابرو الذي يدخل في علاقة قوية مع بيت بلقيس وعائلتها. وفيما بعد ينجح الكاتب في خلق النفور من هذا البيت الذي يسعى إليه الراوي - سليمان بلهفة. ويعكس من خلال هذا البيت ضيق التفكير الحزبي. وقد اختار الكاتب الحيوانات من قطط وأفاعي وعقارب وجرذان وقنافذ تحوم في أرجاء البيت القديم على الصوت المقزز لتساقط قطرات الماء العكر في الطشت أثناء النوم. لم يخرج الكاتب من البيت طوال وصفه له، انتقل من مقر العقارب إلى جحر الأفعى فإلى السطح المثقوب من الأعلى إلى صراع القطط والفئران وراع الأفعى مع القنفذ. فيخلط الكاتب بين مشاعر الراوي وبين رفع هذا الصراع الممتد إلى مستوى صراع رمزي مضيئا بذلك الأحداث من جميع جوانبها عبر وصف دقيق يكاد يكون مبررا للتشابكات الفكرية الحاصلة حول هذا البيت الإشكالي الذي يشغل الجميع على الحالة المتردية التي يرزح في ظلالها أهاليهم.. ينتقل بعدها الكاتب إلى وصف تشييد البناء إلا أن البناء كان يرتفع وأبي واخوتي يساهمون في تشييده، أول عمل قام به أبي لصون البيت الجديد من أعين الحساد هو إحضار جمجمة حمار ضخمة علقها في قمة العمود الأسمنتي بإدخال سيخ حديدي من ثقوب الجمجمة العظمية، أعطاه الشيخ عفيف الحسيني آيات قرآنية الصقها بالعجين في أعالي الأبواب، رفض إلصاقها بالصمغ مدعيا أن العجين انسب، علق في كل جهة من البناء حجابا مربوطا بشريط قديم يذكر بالكهوف لا بالأبنية الجديدة، كما صمم الدرج بنفسه بحيث يوحي للصاعد بأنه في معبد اثري قديم لا علاقة للدرج بالبناء كله ص 34. يتحول الكاتب إلى مشهد لبناء البيت الجديد، فنجده يصف البيت القديم من خلال الحيوانات الموجود.

7

في البيت القديم في حين أن وصفه للبيت الجديد أيضا جاء من خلال تفاصيل أخرى. كما أن وصف البيت القديم جاء مركزا وحاويا على جزئيات لا علاقة مباشرة بينها وبين البيت، كجحور الحيوانات وسكب الماء فيها لإخراج الفئران وتتبع آثار الحيوانات الساكنة في أسقف البيت وحيطانه ونصب الفخاخ في زوايا البيت. كذلك لا نعرف عن البيت الجديد سوى انه بني من إسمنت وما تبقى هو تعليق جمجمة حمار ضخمة ولصق الآيات القرآنية. ولولا معايشة الراوي سليمان المباشرة لأجواء البيت لما بدت الصورة واضحة بهذا الشكل. وقد جزّأ الكاتب سرده الوصفي بحيث عارض صورة العقارب أولا وهي تحت المخدة وفي حذاء الأب، في بنطال الأخ. جلد الأفعى المرمي في الحوش والأفعى المستقرة في السقف. المياه العكرة المتساقطة من السقف في الشتاء. المكانس الطويلة تقتل الفئران بعد سكب الماء في جحورها، فالراوي يرى المكان بكل أبعاده ويعيش فيه بكل حواسه. وهناك صور للأحداث التي تجتاح الأمكنة اكثر من تصوير الأمكنة نفسها وهذا ما نلاحظه بكثرة في رواية سوبارتو.

الساعة السادسة والنصف سيعرض فيلم (جريمة منتصف الليل) يحضره جميع التلاميذ دعماً للثورة الجزائرية .. من نجا من النار خنقه الدخان ص 8-9.

الوصف هنا يتناول الحريق الذي ينتاب الأجساد الغضة، فنشهد أن وصف الحريق يفوق وصف السينما، وما بين صورة الحريق وصورة مكان الحريق هناك وصف دقيق للكتلة البشرية من الأطفال الذين تحولوا إلى فريسة للنيران الظالمة ولكي تكتمل الصورة لا يتوانى الكاتب عن رسم صورة للمكان جدران البناء الطينية المغطاة بالستائر، الباب الكبير، هناك باب صغير لم يتمكنوا من فتحه، سقف البناء المصنوع من الخشب والقش والطين، هناك بئر أمام باب النجاة ص9.

ثمة صورة ليس فيها أي وصف للمكان سوى ذكر الاسم نقلت الأجساد المحترقة إلى المستشفى المركزي بالقامشلي. اكثر من ثلاثين طفلا كانت حروقهم خطيرة واكثر من مائة منهم لم تكن تستدعي إقامتهم الدائمة في المستشفى ص10، حيث يرد كلمة المستشفى مرتين دون أي وصف للمستشفى كمكان.

8

-       وعن العجوز فلك يكتب وإذا ذكر اسمها في أحد المجالس فإن كل شخص من المجلس ينتابه شعور لا يشبه شعور غيره، فهي مخيفة للبعض بسبب ما قيل عن براعتها في صنع الحجب التي تكم الأفواه وتقلب الرجال بين ليلة وضحاها رأسا على عقب. ص 12.

نلاحظ هناك أن الوصف انصب على أحداث المجلس وعلى مشاعر المشاركين فيه ولم يتطرق إلى مكان المجلس.

-       وعن بلقيس الصغيرة يكتب جالسة على الكرسي أمام الباب تتحدث مع أختها الكبيرة حديثا لذيذا بنبرة أنثوية رقيقة منعشة دافئة قادرة على تخدير الحجارة على طول شارع بيتها.

هنا ينعدم وصف المكان، حيث لا وجود لوصف باب بيتها ولا للشارع الذي يمر به سليمان.

-       وعن سيرة الطفولة يكتب ابتعدت الأغنام مقتربة من البساتين وهي الأماكن المحرمة ص 19.

هنا يشير إلى أن المكان محرم على الأغنام إلا انه يتوانى عن وصف تفاصيله.

نلاحظ من خلال استعراض النماذج الثلاثة الأولى أن البطل اخترق المكان دون أي وصف له مستشفى القامشلي - المجلس الكرسي أمام الباب في الشارع وفي النموذج الرابع اكتفى بالإشارة إلى تحريم البساتين دون وصف لها.

لنتابع هذا المقطع (أصحاب القرون الكبيرة والطويلة هم الأسياد في هذه البيوت المترامية الأطراف، التي تبدو من الخارج على شكل كوخ، ، لفت نظره الاتساع في الكوخ من الداخل والأبواب الموزعة تحت الأرض) ص 186-187. ثمة دقة لا متناهية في تشكيل صورة الكوخ من الداخل، ويعتبر الكوخ من الأمكنة الأساسية في الرواية، بل أن الأسئلة الغامضة بمجملها تنطلق منه، حيث انه البلاد كلها التي تحتضن أحداث الرواية، وهو المفصل الأهم في بناء الفضاء الروائي بتدخل مباشر من الراوي الكاشف عن إسرار هذا الكوخ الخطير وبطريقة لا تخلو من الحياد التام، وبعيدا عن مزاج الشخصية الرئيسية - سليمان الذي كان يتمنى على الدوام أن تكون الوقائع التي تجرف أيامه المتلاحقة حلما من أحلام اليقظة. حيث أن الصورة المفصّلة للمكان واختراق الشخصية الرئيسة له فيكون مسرحا للأحداث ومتلاشيا في الموضوع وبهذا كانت الرواية

9

مكانية إذ يبد الروائي شديد الاهتمام بالمكان، فيبنيه من خلال اللغة التي تشكل النسيج الحي لبناء المكان، ولذلك يمتلك الوقوف عند الفضاء الروائي في سياق هذا البحث.

إن نص سوبارتو الروائي يعتمد على اتصال الراوي بالشخصيات وتجسيده في أحد شخوص الرواية وعلاقة كل هؤلاء بأماكن الأحداث. فالمكان هو الذي يثير الحرائق بين الفينة والأخرى. بالإضافة إلى اتكاء الرواية على مجموعة من التضادات الحيوية، حيث الهجرة تتقابل مع البقاء. فيسافر بسكويتو والملا ورشو وسلمى ويظل في سوبارتو داوود والد سليمان ومحمدي سيتي والأستاذ مروان والآنسة، وكذلك يقابل من يتواجد في أعلى السلم الاجتماعي مع من هم في أسفله. رغم أن الحرائق تنتاب الجميع وهو ضريبة وجودهم في مكان جحيمي أطلق عليه سهوا اسم سوبارتو. ويتقابل التعصب الأعمى للدين مع الإلحاد الحاد، وكذلك تتواجه البيوت الأسمنتية مع البيوت الطينية: يرى لوتمان أن النموذجات الاجتماعية والدينية والسياسية والأخلاقية، العامة التي ساعدت الإنسان طوال تاريخه الروحي على إضفاء معنى على الحياة التي تحيط به تنطوي دوما على سمات مكانية قد تأخذ هذه السمات تارة شكل تضاد ثنائي، السماء، الأرض، وتارة أخرى شكل تدرج هرمي سياسي واجتماعي يؤكد تضاد السمات التي تقع في قمة الهرم "الرفيع" وتلك التي تقع في اسفل الهرم "الوضيع" وقد تتخذ هذه السمات شكل تضاد أخلاقي بين اليمين واليسار.. &sup4; وتبرز مثل هذه التناقضات بشكل جلي في رواية سوبارتو حيث التضحية تزاحم العمالة، والسواد يتداخل مع البياض، والشريحة المظلومة تتشابك مع الشريحة الظالمة وإن كانت الظالمة هي أيضا مظلومة أمام دواليب أوضاع تسحق الجميع. كذلك الفقير يتدحرج إلى جانب أرجل الغني والتناقض الواضح بين بلاد سوبارتو والمدن الكبيرة، وكذلك التضاد بين سهول سوبارتو (الأدنى) وبين جبالها (الأعلى) يؤدي مهمة دلالية تفرز الشخصية المناضلة، المقاتلة القوية عن الشخصية الأخرى الساكنة، الميتة، العاهرة والعميلة، وهذه دلالة واضحة على تراتبية اجتماعية وسياسية لهذا المجتمع المصاب بتضاد اجتماعي حاد ينتج عنه تضاد أخلاقي يستند إلى خصوصية وضع

10

بلاد سوبارتو المستباحة من جميع الجهات من قبل استعماريين وقتلة يعيشون على فتات تخلف مزمن. وما يلفت النظر هو التحول الأخلاقي الشخصيات، فبرو مثلا تغير وتحول إلى شخصية أخرى "أخلاقية" بعيد كل البعد عن شخصيته الأولى الممثلة لأدنى حالات الفسق واللامبالاة، وكأن التضاد السياسي يفرز تضاد أخلاقيا يتمثل بتناقض حاد بين القول والفعل، كعائلة بلقيس الحزبية، يموت الأستاذ مروان (الأب)، يختفي دور الآنسة (الأم)، بلقيس عاهرة، بسكويتو (الأخ) يحاول استغلال عهر بلقيس لتحقيق مكاسب مادية تتعلق بمهنته الطبية. وتبتعد زنوبيا (الأخت) بزواجها من صابرو وتحدث القطيعة، كما أن سالار الصغير يبتعد عن الحب وما من معلومات مهمة عن ديانا الصغيرة. في المقابل هناك عائلة "محمدي سيتي" المرتبطة بالقيم الأخلاقية والقومية، فمحمدي سيتي (الأب) يحترق في السجن بعد التعزية التي أقامها أهالي سوبارتو لأحد شهدائهم وكان قد سجن لهذا السبب. دينو (الابن) يتلاشى تماما ويتحول إلى دوامة من غبار في حالة فانتازية-رمزية تجرف معها الأم والأخ فتتحول العائلة إلى غبار يتبعثر في براري وسموات سوبارتو، فيما عدا برو (الابن) الذي تحوّله النيران المستعرة في جسد ذكية آلكان إلى مقاتل عنيد في الجبال وباحث عن حرية وطنه واستقلال شعبه. والتناقض الاجتماعي-الطبقي يبرز بين سافار الذي يشتري بلقيس وعائلتها بنقوده وبين "أبو عمشة" الفقير الذي يبيع أخته في أسواق الفقر. ويتوضح التناقض الأخلاقي في شخصيات تمثل قيما متعارضة مثل (بلقيس-سليمان) - (أبو عمشة-برو) - (فريال-نرجس) - (حميدة-أم سليمان) .. الخ. حتى أن التناقض يحتد بين الأخوين سيتي، برو ودينو، في البداية ولا يشترط بالطبع أن يؤدي التباين السياسي إلى تباين أخلاقي. فكل من العم وبرو، يمثلان حالتين أخلاقيتين طامحتين إلى الحرية التي لا تشترى إلا بالدم، وهذه قناعة مشتركة لديهما رغم اختلافهما في الانتماء إلى الأيديولوجي-الحزبي. أما الحزب الذي يأخذ حيزا كبيرا في الرواية والمتكئ على الفكر اليساري فيتعامل بعض أعضاءه مع سياسة الحزب كتعاملهم مع اليانصيب، فدخول أحد الأعضاء إلى البرلمان يعني الربح الشخصي وهذا يشير إلى أن التضاد السياسي قد يفرز تضادا أخلاقيا كما أن انحطاط المستوى المعيشي لدى البعض يفرز حالة من الانحطاط الأخلاقي. كما هو واضح في حالة ":أبو عمشة" الفقير والقواد معا.

11

إن إبراز هذه الثنائيات الضدية وعبر وقفة سيكولوجية وصفية يتوضح من خلالها المنظور السردي للمكان، ومن هنا سأتوجه إلى وصف المكان الذي يأخذ بعدا دلاليا في النص الروائي، من خلال علاقات الشخوص بهذا الوصف الذي يأخذ الحيّز النفسي فيه دورا هاما. ومن الملاحظ أن الرواية لا تتسع عبر الوصف بمعناه التقليدي، بل يتسم بالتواتر الذي يعطي المكان أوصافه ويمتزج المكان بالحالة الحسية للشخوص سافرت تاركا ورائي قلبا مرميا رفقا بدمائي أيها الأوغاد ص 72. يتصف سليمان بالحالة السيكولوجية المتوترة ويثير المكان أحزانه اللامتناهية وعندما يتحدث فإنه يخاطب المكان وموجوداته ومنها الحجارة. فالقلب مرمي على الأرصفة، والدم يتسلق حيطان بيوت سوبارتو الطينية الغارقة في نومها الأزلي هنا وصف لطبيعة بيوت سوبارتو المبنية من الطين والملاحظ أن البيوت الأسمنتية قليلة جدا ولهذا فقد أثار بيت سليمان الأسمنتي كل تلك الضجة الغريبة. الناس نائمون على آذانهم والأرض هذه على حافة الهاوية وهي تشتعل وتأكل أجساد أبنائها، وهذا ما أكدته رسالة الثائر إبراهيم بن محمدي سيتي التي أرسلها من الجبال حيث الحرب مشتعلة وهي تحص عشرات الأرواح ص181.

ليس هناك وصفا عاما للمكان وقد يعود هذا لاتساعه، لكنه يلجأ إلى وصف الغرفة أو البيت (كانت حيطان الغرفة مزينة بصور لمشاهير الفنانين العالميين، وبلوحات تشكيلية تجارية، تدل على شفافية ساكن الغرفة ورومانسيته، وعلى اليمين سرير عريض يكاد أن يغطي أرضية الغرفة، تعلقت بلقيس برقبته، حملها إلى السرير، ومددها على ظهرها، ما أن بدأ يفتح أزرار قميصها وهو يكاد يقضم أذنيها وشفتيها ويغرز أسنانه في رقبتها المعطرة، الشديدة البياض حتى بدأ السرير بصخبه، فصدرت عن نوابضه القديمة أصوات كادت أن توقظ الجيران) ص 157. إذ ليس هناك لوحة وصفية متكاملة للمكان فيأتي الوصف تلبية لضرورة فنية اقتضتها حالات الشخوص وتشابك علاقاتهم. وما جعلت الرواية مكانية ليس الوصف المسهب ولا طغيان صورة المكان على الأحداث بل لأن الشخوص لهم ارتباط قوي بهذا المكان المهدد بالوقوع في الهاوية، حيث أن الحالة الاستثنائية التي تجرف معها شخوص الرواية تنذرهم بالتحرك السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه البلاد المستباحة من كل الجهات، لهذا نرى أن العميل والقواد اكثر إثارة للشفقة من الشخص الطبيعي والثوري الذي يموت في سبيل إنقاذ المكان. فمحمد سعيد آغا الدقوري، منقذ الأطفال من حريق السينما، ظل مأثرة وجدت طريقها للاغاني الشعبية أما القاضي محمد والبارزاني وأمثالهما فهناك الآلاف ممن سيحملون أحلامهم ويصونونها من

12

السقوط. زكية آلكان استطاعت أن تنتشل برو من بركة العرق لتتحول هذه الشخصية إلى شخصية ثائرة على عكس سليمان الذي سخر كل شيء لحب لم يكن بمقدوره السيطرة على مشاعره تجاه بلقيس. طالما أن أرضه على حافة الهاوية فإن حبه أيضا يتهاوى، هناك عناصر تكوينية تشد بعضها إلى بعض لرسم صورة تامة للمكان لأن هذه العناصر في المقاطع الوصفية قصيرة، حيث أن الصورة بصرية بالإضافة إلى انه نفسية. ولكلمة بلاد الواردة في مقدمة كل باب من أبواب الرواية دلالاتها الكثيرة، فمرة تكون السيطرة للمراهقين والألقاب وأتربة الفضيحة وفي الثانية الحيوانات والخونة هي التي تتحكم بمكان يبتلعه استعمار خارجي بمعونة الخونة. وهي بلاد سقطت من عربة تاريخ العالم المعاصر وخانتها الجغرافية بخلو حدودها من البحار مثلا فعضتها من أذنيها وقسمتها إلى أجزاء متباعدة ولم تنجب فيها امرأة واحدة بشكل طبيعي ولم تربي أبناءها على هذه المهزلة التي تجتاح بلاد تولد فيها البغال، المعروفة عنها إنها لا تولد، وهي من علامات القيامة حسب المعتقدات الشعبية. المكان يخون بصحابه ع وعاشقه ترمى عظامه إلى العدم. وفي النهاية يكشف لنا المكان صورته النهائية ليعترف بأن لا مكان إلا لذوي القرون والعاهرات وبما أن الموت هو المصير الحتمي لكل الكائنات التي تتحرك على هذه الأرض لذلك فمن البديهي القول أن الأرض دائما على حافة الهاوية. ولأن كوخ العجوز فلك هو لوحده بلاد كاملة ولكي يرتفع الكوخ إلى مستوى الرمز فإننا نجد دقة متناهية في الوصف، وتتكامل الجزئيات في تشكيل هذا المكان المحظور حيث الموت يعتبر ضريبة الاكتشاف. الجزئيات الوصفية التي وردت عن هذا الكوخ من قبل كانت معلومات غير صحيحة لأنها كانت ذهنية وليست بصرية. ويتعلق الوصف أحيانا بداخل الشخصية دون الحاجة إلى حالات بصرية كبيت فاروق الذي اكتسب قداسة مضمرة لدى سليمان، علما أن النص يخلو من أي وصف لهذا البيت سوى انه من طين، والقداسة هنا تأتي لأن بلقيس تعيش في هذا البيت. وهذا النوع من الوصف يدخل في خدمة الفضاء الروائي الذي يتداخل بطريقة متناسقة. كما أن الفضاء الأعلى "الجبال"

13

والفضاء الأدنى "الأرض السهلة" يمثلان حالتين متناقضتين على الصعيد الدلالي، حيث "الأعلى" يمثل الشخصية الحاملة للقيم الإنسانية والقومية والتي تموت من اجل أن يحيى الآخرون، فبدون "الأعلى" ستكون الأرض في الهاوية وليست على الحافة، فيما "الأدنى" يمثل الشريحة المستسلمة البائسة التي تقف مكتوفة الأيدي أمام الكوارث التي تقع فوق رؤوسهم دون أدنى مقاومة منهم. وهذا ما يلاحظه سليمان عندما يشاهد الجميع يغط في السكون بعد منتصف الليل. في حين أن الشخصية "الأعلى" تمارس جزءا من الحرية بالإضافة إلى تميزها بالسمات الثقافية والفكرية حيث أن "برو" يتميز بتألقه في وصف الجبل الذي لجأ إليه للقتال في سبيل وطن حر ولم يأت هذا الوصف مجانا بل جاء تعبيرا عن الإخلاص التام للقضية والالتصاق المصيري بالقيم وهنا الدلالة المضمرة على التعبير عن ضمير أهل سوبارتو اليقظ من خلال شخصية "برو" المقاتلة في سبيل حرية الجميع. رغم أن الأرض بمجملها واقفة على حافة الهاوية (ص 41) و "من الغرائب المفزعة أن الباب الآخر، باب النجاة الوحيد الذي كان قد تحول إلى فوهة بركان والذي حاول بعضه الفرار من خلاله كانت أمامه مباشرة بئر جافة ليس لها غطاء، ما أن يفر الصغير حتى يسقط في البئر" (ص 9) وما يوحي لنا إلى حقيقة أن الأرض هذه على حافة الهاوية هو أن البئر تسحب إلى داخلها أرواح الصغار الهاربين من الموت والذي أحال بين البئر والهاوية هو محمد سعيد آغا الدقوري لأنه انتشل بعض الأطفال وإن تحول هو إلى ضحية، حيث أن ضريبة الدفاع عن الطفولة وعن الأرض هي الموت، ولذلك فإن نموذج المدافع قليل جدا. حيث أن البلاد كلها هي كوخ العجوز فلك، مرتع الدعارة والقتل والخيانة والغدر. فقد اخترقا الكاتب بهذا الأسلوب المكان المحظور، حتى أن الجبل نفسه الذي كان يحارب فيه برو يعتبر مكانا محظورا ولذلك لأن محمد سيتي وفلمز وآخرون عندما أقاموا التعزية لأحد شهداء سوبارتو. كانت الضحية احتراق اكثر من ستين شخص في السجن.

ولا يبتعد المكان عن كوامن الشخصية ودواخلها، بل يلتصق بها "نضرب بأقدامنا اليابسة شوارع سوبارتو. نحاول هز أرضها، إيقاظها، بث الروح في أعضائها الميتة. ينضم إلينا بعضهم ويذهب آخرون) ص 53. وتبعهم صابرو واحدا بعد الآخر باتجاه المرحاض للتبول. رغبت في التبول على ارض الغرفة المزينة بالصور، شعرت بدمي يسيل من الصور المعلقة فوق رأسي.. بكت الحجارة المتناثرة على قبر جدي، ..كم أود أن أنام فلا استيقظ أبدا. ما ابعد النوم وما اقرب الموت) ص 61. أما بالنسبة للمكان المحظور

14

ككوخ العجوز فلك، نلاحظ أن سليمان يدخل إليه ويتفحصه ويستغرب وتترنح من حوله الجماجم البشرية، ثمة أجنحة مرتبة ترتيبا هندسيا، يدخل جناح العجوز فلك، تعري نفسها، تبدل جلدها، تمارس طقسها اليومي، وسط قرقعة الصحون والملاعق ورائحة شواء لحوم آدمية والمائدة مزودة بكل أنواع الفواكه وهناك المستودع وأجنحة خاصة للغرباء وغرف خاصة لعظام الغرباء. نلاحظ في هذا المشهد السردي رؤية بصرية دقيقة وإن اختلطت ببعض الوقفات الوصفية للراوي. ويخدم هذا الكوخ، على صعيد الوصف، الدلالة الكلية للفضاء الروائي. فالجميع توقع أن يكون هذا المكان كوخا إلا أنهم فوجئوا بأنها بلاد بأكملها، حيث يتباين في ذات الشخصية عالمان كما تتباين البيوت الطينية عن الأسمنتية مع تميز قصر صاحب الكلب، مسؤول الحزب الماركسي. والملاحظ أن التبعية السياسية لهذا الحزب لروسيا (الاتحاد السوفياتي سابقا) هي التي تقف وراء تربية الكلب في البيت. وهذه عادة غير محببة لدى الأكراد والعرب باستثناء كلاب الحراسة، علما أنها عادة طبيعية وشائعة لدى الروس خاصة. وتغص الرواية بالنجوى الذاتية، ولنتابع هذا المونولوج الداخلي يكرر أمنيته الأزلية أن يجمعه القدر مع صاحبة النظارة في غرفة بلا باب وبلا نوافذ، يأتيه الطعام والشراب من تحت الأرض، اتفاقات حول إفراغ غرف خاصة للدوام فيها بدل المدرسة. وصافو الأرملة تملأ كيس ابنها الصغير بعلب السجائر. يعود إليها في الليل جالبا معه بعض النقود وبعض الزبائن الجدد لأمه) ص 55. ينتقل الراوي من أمنية دينو إلى نجوى ذاتية وإلى الحلم بغرفة تضمه مع حبيبته، لينتقل بعدها إلى الوجه الآخر للبلد حيث النوافذ المثقوبة تكشف عن أجساد عارية تتصارع وتختبئ خلف الحيطان ومن ثم لجوء سري إلى شواهد القبور وإلى حفر المقبرة النائية.

وننتقل مرة أخرى إلى كوخ العجوز فلك السري في بداية الرواية وما يحدثه من تناقض "أعلى-أدنى" لدى أهالي سوبارتو تسكن وحدها في كوخ نظيف على الدوام. لها حكايات مع أهالي سوبارتو كلهم. الكل، حتى أن أحدهم يقدر عمرها بأقدم من عمر سوبارتو نفسها. وإذا ذكر اسمها في أحد المجالس فإن كل شخص من المجلس ينتابه شعور لا يشبه شعور غيره، فهي مخيفة للبعض بيضتها العجيبة حلت الكثير من المشاكل بعد كسرها أمام أي باب تدور خلفه المشاكل ولا أحد يجرؤ على الوقوف في وجه العجوز فلك التي يقال عنها أنها تقف وراء كل ما يحدث في سوبارتو. لا أحد يعرف شيئا عن زوجها أو عن أولادها ولا يتجرأ أحد على سؤالها عن ذلك ص 12.

نلاحظ أن علاقة أهالي سوبارتو بالعجوز فلك وكوخها تتناقض ما بين "أعلى" و "أدنى". وإن كان الكوخ من حيث الشكل نظيفا فلا يعني هذا أن كل إنسان من أهالي سوبارتو يملك شعورا نظيفا تجاه العجوز وليس الكل يرهب بالدخول إلى الكوخ حتى أن أحدهم دخل لسرقة الثروة المبتغاة. وإذا تابعنا هذه العلاقة نجد أن هناك ثنائيات ضدية بين أعلى" و "أدنى". كـ "مثقف-جاهل، حارق-محروق،

15

ظلم-مظلوم، متمرد-مستسلم، قاهر-مقهور، غني-فقير، مناضل-عميل،صادق-كاذب، آمر-مأمور، مستعمِر-مستعمَر، موت-أحياء الخ. فكلما ذهبت الرواية إلى الصفحات التالية يكشف السرد عن الحوادث الروائية وعن الثنائيات التي تكثر في الرواية وعن الصراع ما بين قوتين مختلفتين. هذا المكان هو الذي يخلق مثل هذا الصراع لأن الأرض على حافة الهاوية، الكل هنا على حافة الهاوية، منهم من يناضل بالوصول بالأرض إلى الأمان ومنهم من يحاول أن يدفع الأرض باتجاه الهاوية والعماء.

ولتبيان حيثيات بناء الفضاء الروائي نجد أن سليمان كشخصية رئيسية ليس الوحيد الذي يساهم في هذا البناء رغم أن الأمور بمجملها تتمركز حول سليمان وإن كان "مستو" على الطرف الآخر يأخذ حيزا هاما في هذا السياق وإذا أجرينا مقاربة ما بين سليمان ومستو من حيث دورهما في صياغة الفضاء المركزي نجد أن سليمان يتحرك في المكان ويبدأ باللعنة على سوبارتو الجحيم وأن تاريخا كاملا يصيغ هذه الأرض وهذا التاريخ عار في عار. حيث تعتبر هذه الطريقة حيلة لاعمال البناء. وعلاقة سليمان القوية بالمكان تدفعه إلى التفكير بإحراق المكان، فلم يفكر في أن يقتل أو يحرق نفسه قبل أن يحرق الأرض لأن سوبارتو هي سبب يأسه وهي جريمته. وتبدأ علاقة سليمان مع مستو في البيت، الحلم الأولي، الذي يمهد لبناء فضاء روائي بالتشابك في العلاقة بين الشخصيتين. وحتى الحلم لديهما يرتبط مع التاريخ: ففي حلمه يرمي مستو السلطان السابق إلى مزبلة التاريخ وترتفع راية العدالة وفور قتل السلطان تزين الصور الشوارع ومئات الجوامع ونواقيس الكنائس. وفور استيقاظه يحمل السلة ويتوجه إلى السوق ويخبره موظف البلدية بأن الشارع، حسب المخطط الجديد، يمر من بيته وسيهدمونه لنجد أن ضيق المكان يدفع مستو إلى الهجرة خارج سوبارتو. يبنى الفضاء الروائي وفق اختراق الشخوص له، فسليمان ومستو يخترقان المكان -سوبارتو- بكل زواياه باستثناء البلاد السرية الأخرى، كوخ العجوز فلك. إذ أن العجوز نفسها تخترق الأمكنة في سوبارتو، وما اختراق المكان الأول سوى تمهيد للدخول في اختراق المكان المغلق الأكثر سرية وغموضا "بلاد العجوز فلك". وهذا لا يمنع من أن الكاتب لجأ إلى إعطاء أوصاف أولية للمكان لبناء الفضاء الروائي احترقي بيتا بيتا يا بنت

16

الأفعى، يا بلاد الأذيال المقلوبة ..كلانا يستحق القتل بخازوق في اقرب ساحة عامة، أنت جريمتي يا سوبارتو وعليّ إحراق الجميع ص 8. نلاحظ ما يلي: يرغب في إحراق البيوت في بلاد هي بنت أفعى ترث سمومها في احشاء أبنائها، بلاد ليست ككل البلاد، فهي مقلوبة الذيل، لينتقل الحقد من البيوت إلى الشوارع فإلى كل شبر من هذه البلاد الواسعة وهذا يدل على وصول حالة اليأس والكره الدفين إلى أقصى حالاته، ومن شدة الكره فإن إحراقها مرة واحدة لا تكفيه، فسوبارتو ليست سوى حظيرة ليس بإمكان الإنسان العيش فيها وهاهو سليمان يعترف بأنه كلب وأن البلاد تحمل العار تاريخا كاملا والقذارة امتدت إلى أعماق التراب ولهذا كانت الجريمة سوبارتو كمكان. الظلم الذي يعانيه أهالي سوبارتو من المكان واضح من المقدمة، هناك لمحات سببية لهذا الظلم ولهذا كان الفضاء محصورا بسوبارتو ومغلقا على نفسه. رغم القبح المنتشر في سوبارتو وفي نفوس الشخوص فبالمقابل هناك الجبال الجميلة وضريبة الدفاع عنها واضحة الحياة هنا بقدر ما هي صعبة بقدر ما هي رائعة، نفترش الأرض، نتوسد الجبال ونلتحف السماوات .. لا يمكن أن تشعر بنفسك حرا إلا وأنت هنا على رؤوس الجبال والسلاح في يديك، نحن الجبال والله معنا لأننا نقاتل في سبيل شعب حر ووطن مستقل ص 181-182. نلاحظ في هذا المقبوس أن الانتقال يتم من طبيعة المكان إلى الشعور الذي يخلقه المكان كما لدى إبراهيم محمد سيتي. سينما عامودا كمكان خلق شعورا لدى محمد سعيد آغا الدقوري بأن يدخل الجحيم في سبيل إنقاذ الطفولة البريئة. فقد يخلق المكان شعورا جميلا وصعبا وقد يخلق جحيما صعبا. لهذا قال برو بأنه يشعر بالحرية وقال الدقوري بأن أولاد الحريق كلهم أولاده رغم نجاة ولده. فبرو والدقوري يدافعان عن أطفال شعب محترق وكل منهما يحمل شعورا جميلا رغم اختلاف طبيعة المكان برو في الجبل-الدقوري في السهل وهذا تجسيد آخر لمفهوم الأعلى-الأدنى. وبانتهاء الرواية لا تكتمل الصورة. لهذا لجأ إلى الباب المغلق في نهاية الرواية "الباب التاسع" للتأكيد على أن الفضاء مغلق "باب مغلق على نيرا تلتهم بلادا من تراب أعمى ومن حجارة حزينة" ص 190. ويمكننا متابعة تحليل العلاقة المكانية منذ البداية وفق الثنائيات الضدية التي تبدأ مع بداية

17

الرواية وتنتهي مع نهايتها والتي تفرز منها ثنائيات ضدية على صعيد المفاهيم السياسية-الأخلاقية-الاجتماعية والجنسية. حيث أن الصورة مجزأة والعناية بالفضاء الجزئي لا تقل عن الاهتمام بالفضاء المركزي الكلي. ومن هذه الصور التحاق بلقيس بزوجها في السعودية، والتنازع الموجود ما بين حب سليمان لبلقيس وحب بلقيس لأن تسبح في بحر من الذهب، وإن كان شعور سليمان محسوسا فإن بلقيس تغرق في الحالة المادية، كما أن التنازع ما بين السرد والوصف واضح تماما. وهذا ما أدى إلى تسريع حركة السرد حتى في الوصف. حيث الزمن يجري بسرعة والمكان هو الذي يسرع حركة السرد. الفضاء، إن صح التعبير، المبني في السعودية "بيت بلقيس" أو الفضاء المبني في المدينة التي تتواجد فيها الجامعة أو بيت مستو فإن هذه الفضاءات كلها تدور حول الفضاء الروائي الأساسي "المركزي" وهو سوبارتو، وتتداخل هذه الفضاءات بتداخل العلاقات ولنتابع المثال الآتي، أن مستو يمثل النقيض تماما لزوجته أم همرين فمستو يتميز بحبه وإخلاصه لأهالي سوبارتو والنابع أساسا من تعلقه العميق بسوبارتو ويأوي أبنائها، بل هو الذي يبحث عنهم لخدمتهم. هذه المواقف تدل على آرائه في حين أن زوجته ليس لها أي دور في خدمة أبناء بلدها. وتمتعض من وجود أحد في بيتها. في الجانب الآخر من الشخصية تبرز صفات الخيانة والكره النابعة أساسا من ابتعادها (الزوجة) عن حبها لبلادها إن هذا الموقف بعيد عن السياسة تماما على النقيض من مستو الذي يمثل الحالة السياسية والاجتماعية لشريحة واسعة وتكمن خيانة الزوجة في ممارستها الجنس مع أحد "أبناء البلد". ويمثل سليمان النموذج النقيض لنموذج بلقيس. سليمان لا يعرف شيئا سوى حبه الشديد والإخلاص، في حين أن بلقيس تذهب إلى العجوز فلك لتجمع المال عن طريق العهر. زكية آلكان وصافو الأرملة تمثلان "النقيض" . ففي حين أن زكية آلكان تحرق نفسها دفاعا عن سوبارتو وأهاليها وتستشهد مخلصة لعشقها الأسطوري ولوطنها وصافو تفتح فخذيها من اجل بعض النقود عن طريق ابنها كونها أرملة وزكية آلكان طالبة طب في سنتها الثالثة ويرغب فيها مئات الأنذال وهي محتجة على كل الأمور ومتمردة إلى ابعد حد. هناك ثنائيات ضدية كثيرة

18

"البارزاني-الأستاذ"، "القاضي محمد، المسؤول الحزبي الذي يظهر للآخرين آثار السياط على ظهره"، "سيلفا-سلمى"، "برو-أبو عمشة"، "دينو-صابرو"، "داوود-ترشو"، "مستو-فاروق" ..الخ. وتتالى المشاهد لتشكل الفضاء الروائي، حيث يستفيد الكاتب من أوصاف منزل الراوي ومنزل مستو ومنزل نرجس ومنزل بلقيس ومنزل محمد سيتي وشوارع سوبارتو وبيوت سوبارتو الطينية والجبال. فيحول الكاتب هذه الأمكنة كلها إلى خيوط متداخلة متمركزة حول المكان الأساسي "سوبارتو" ورغم أن الحرائق تلتهم المكان بكل أبعاده فإن المكان، في المحصلة، يقود كل شخصية إلى مصيرها النهائي. وفي اغلب الأحيان يكون المصير هو الموت بسبب الحرائق سواء أكانت مادية أم معنوية. عموما فإن المكان يحوز على الدور الأول في بناء الفضاء الروائي الذي نجح الكاتب في تشكيله عبر تخريب متواصل يجتاح الإنسان والمكان في هذه البقعة المرعبة من العالم التي تدعى سوبارتو.



-----------------------------------------------------------------

1
محمد سويرتي. النقد البنيوي والنص الروائي، منشورات دار افريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 1991، الجزء الثاني، ص 93.

2
د. سمر روحي الفيصل، بناء الرواية العربية السورية، ص 251.

3
حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي القومي، بيروت، الدار البيضاء، 1991، ص 27.

4
الكلام ليوري لوتمان، مشكلة المكان الفني، ترسيزا قاسم، مجلة ألف القاهرية، العدد (2)، ربيع 1986، ص 85، راجع د. سمر روحي الفيصل في بناء الرواية العربية السورية، ص 270-271.






Copyright 2000-2001 amude.de and Srwan, All rights reserved.